الأحد، 8 يونيو 2008

كم هي الحياة قصيرة لدرجة أنه ليس هناك وقتٌ للكره

أتيت ذات يومٌ مرهقاً من العمل ، وزاد في حمليِّ اجتماعا في العمل في ذلك الصباح المشئوم ، وأثقل كاهلي " فلونزا " أبت إلا أن تعكِّر صفو نهاية ذلك اليوم بسعالٍ أُحِسُ بسكاكين تُغرزُ في صدري حينما يجتاحني ."هذه آخر كلمة لديّ ، وإلاَّ فسوف أُصعِّدُ هذا الموضوع لمديري ، وأنت تعرف الباقي!!"هذه ماختمت به اجتماعنا لهذا اليوم إثر عدم استجابة لبعض القرارات التي أصدرتها للنهوض بمشروعٍ تم تأجيله ثلاثُ مرَّات ، وخصصني مديري لمتابعة هذا الموضوع أي أنه كمرحلة نجاحٌ أو رسوب ، كنتُ محبطاً فعلاً !! وكنت أتمنى رؤية ذلك المقاول، لأزيد كرهي له بدهسه تحتُ عجلاتِ سيارتي !!قهرٌ ينتابُني من أثر ذلك الاجتماع وزاده سُعالي الذي يكاد يُخرجُ أسياخاً من صدري من شدة ألمهُ لي ، أمضيتُ يومي في اتصالات متعددة وفي تعديلاتٍ لخطابٍ " شديد اللهجة " سوف أوقعه مع مدير المشروع لإثباتِ تخاذُلُه عن أداء واجباته ، فضلاً عن تأخره عن الاجتماع مدة 10 دقائق !!مر بي ذلك اليوم كأبطأ يومٌ عرفتُه منذ انتدابي لهذا المشروع ، بالرغم أنني لم أخرج إلا متأخراً منه للحصول على راحةٍ للغداء !!انتهى ذلك اليوم بغروب الشمس آفلةٌ على نهارٌ متكررٍ في غالبه، الفرق يكمن فقط في نوعيّة الاجتماعات.دخلتُ غرفتي في الفندق حاملاً همومُ الدُنيا من جرّاء هذا اليوم بالذات . فالسعالُ قد أعياني تماماً ، لدرجة أنني لم استطيع رفع رأسي من وسادة وسَّدْتُ بها رأسي المحموم ، بقربي " كوروسوناً " أتيت به معي لأعوض جسمي مافقده هذا اليوم ، في الحقيقة أنه سأفتقدُ جزءاً من معدتي لأنني وكما يقولون المصريِّون كنتُ " على لحمِ بطني " .تفوقتُ على الكسل لأحضِّر كوباً من الزنجبيل لعلَّه يُفيد، حضَّرتُهُ على مضضٍ لم أشهد مثيلاً له في حياتي، فأنا صحيحٌ أنني كسولٌ في أغلب الأحيان ولكنني لستُ بهذا المستوى من الكسل المنحطْ ! ، أنهيت تحدياً آخراً وهو إنهاء تلك " الكوروسون " ، وكانَ أمامي ماهو أصعبُ منه وهو " كوب الزنجبيل "، ففوق كسلي من جرّاء هذا المرض بيني وبينه عداوة قديمة لم أقربهُ خلالها إلا حينما يذاع خبرُ الطوارئ ، حينها فقط يسهُل كل جبَّار ، كحال المِنَحْ التي تُولدُ في مخاضِ المِحَنْ .اخذتُ أقلِّب القنوات قناة قناة ، فذلك البرنامج الذي يُعدُّ حِواراً وهو أبسط أساسياتُه لم يَمُر عليه كحال كثير من مشاريعُنا الحكوميِّة تخطيطها يعتمدُ على سياسة " طقّها وألحقها " .!وقع اختياري على إحدى القنوات التي اشتهرت بالأفلام ، وكان لحظة وقوفي عليها بداية فلمٍ ذو لمحةٍ اجتماعية ، حقيقة أنني لا استهوي هذه الأفلام كما تستهويني تلك التي تشتهرُ بطلقِ النيران ومطاردة الشوارع ، كم تمنيت أحيانا كثيرة أن أطبقها على " الكامري " ولكن " الذلَّة بنت حلال " .!تركتُ التلفاز مشتغلاً على هذه القناة كسلاً منِّي وليس حُبَّاً في هذه الأفلام. أحداثُه باتت لي من أول وهلة بأنها سخيفة وساذجة كعادتي سريعٌ الأحكام و عبارة " أسرعُ حكماً من..... " حكمة ظل يُرددها أحد أصدقائي إلى آمنتُ بها حقُ الإيمان ، فهذه العبارة لم تخرج من فضاء .أحداث الفلم تقع في حيٍ قديم بل وفي قرية صغيرة ، طفلٌ لم يتجاوز العاشرة التحق بأحد المدارس فيها ، فأمُّه تشتغلُ ليلاً ونهاراً ولم تهدأ لتعود لبيتها طبيعية بل في الغالب تكون ثملة .!، دخل هذا الطفل في ذلك الفصل الذي يحوي أسمه. ثم دخلوا بقيّة هؤلاء الأطفال وراءه واسترعى انتباههم ذلك الأستاذ في أسلوب شرحه كما استرعاني وقلتُ وقتها " ليت لدينا أمثالهُ كثير " !.لكي لا أطيل عليكم فأسلوبي في الكتابة ركيكٌ بقدر ركاكة طريق الإسفلت المجعَّدِ الذي أسلكه إلى عملي.طلب هذا الأستاذ من هذا الفصل وهو في وقت تدريسهم لمادة " العلوم الاجتماعية "، يقول لهم: أنا سوف أطلعِكم على كيفية تعاملكم مع هذا العالم !! ، ثم أردف قائلاً : أنتم جميعكم لابد من أن تحدثوا تغييراً في هذا العالم ، ثم بدأ يسأل ويشحذ بسؤاله أي تعليق ، فلمّا أَيَسْ سألهم : من فكَّر في أبعدِ نقطة يريد الذهابُ إليها ؟ قالت إحدى البنات: إلى ذلك المتجر الذي يبعدنا بميلين. ارتج الفصلُ ضاحكاً من إجابتها ، ثم أعاد سؤالهُ مرة أخرى حينها أجاب ذلك الطفل الذي هو محور حديثُنا : وهل أنتَ أحدثت فرقاً حينما تسألنا هذا السؤال؟. هدوءٌ ذو إشاراتٍ تدُلُ على السُخرية ، أجاب الأستاذ : نعم ، أنا احدثُ فرقاً من خلال إخراجكم لهذا العالم لكي تحدثون أنتم الفرق!!، حينها صمت الفصل كإشارةٍ ذهولٍ أو استفهام أو سمُّوها ماشئتم .بيتُ القصيد هو هذا الطفل، طلب أستاذهم قبل مغادرتهم مقاعد الفصل واجبٌ "كمافي تسميتنا " ومشروعٌ " كما تسميتهم " لهذا النوع من التمارين المعطاة من قبل أستاذهم . وهو أن يكون مشروعكَ صالحاً في أي زمانٌ وأي مكان ، وبشرطِ أن يكونَ منتفعاً به . خرج الطفل وهذه الكلمات التي حفرت في نفسه ثقباً يزدادُ كل مافكَّر به ، فهو يزدادُ عُمقاً ليُملأ بشيء ما ، مرَّ بمجموعةٍ من المشرَّدين وجلسَ يتابعُ أحدهم .أم هذا الطفل حياتُها أشبه بجحيمٍ مقيم ، فهي لاتهدأ عن العمل فضلاً عن نوعيّة الأعمال التي تؤديها وهي مُكرهه لسوئها ، وزاد هذا الجحيمُ جحيم عطلُ سيارتها منذ شهورٍ عدِّة ، فصديقها الذي هو أب هذا الطفل " عجبي لهذه الثقافة البربرية " ، قد هجرها وذهب بعيداً لم يأتِ ذكره ولم أهتم له .قامت هذه الأم متأخرة كعادتها بعد أن تثملُ شأن كل ليلة ، وذهبَتْ إلى موقف سيارتها ، لتحظى بجرعة من هذا الخمر حتى بعد أن تُفيق ، وهي في الأصل وعدت ابنها بأنها لن تثمُلْ أبداً ، وكان هذا الوعدُ كوعودٍ من يهود ، إذ أنها لم تستطع مقاومة هذه الخمرة وعادة إخلافها لوعد ابنها له بعدم معاقرتها إياه .ذهب الطفل من صباحِ يومِ غدٍ إلى المدرسة ليقدِّم عرضاً لفكرة " مشروعه " ، وكان قبله أطفالاً ضحكتُ فعلاً من أفكارهم ولكنها على أسنانهم معقولة ، كمن سوفَ يُنشئُ موقعاً على الإنترنت لأطفال الصين لكي يحدد يوما ًما في السنة لكي يقوموا بالقفز على الأرض دفعة واحد ، وبالتالي المحصِّلة تكون إحداثُ شيء في هذا العالم ، فعلاً هذه اللقطة أضحكتني لدرجة أنني سعُلتُ سعالاً تمنيّت أنني لم أضحك البتَّة ، وأتوا غالبهم بمشاريعهم ولكن هذا الطفل كان فريد الفكرة !.أخذََتْ زجاجة الويسكي من تحت مرحاضٍ في " بايكة سيارتها " ، وحينما بدأت الشرب سمعت صوتاً قريباً من السيارة. بندقيّة كانت ولا تزال موجودة في هذا المكان قُدِّر لها أن تُحملُ هذه اللحظة ، وقد أشارتْ بها على مصدر الحركة وسألته أن يرفع يديه ، إرتفع مفتاحٌ " لبراغي " السيارة لحقته يدين متسختينِ ووجهٍ شاحبٍ أثَّر عليه الإدمان بشكلٍ واضح ، وسألته مالذي تفعله هنا ؟فكرةُ هذا الطفل استرعت انتباه الأستاذ، فهذه الفكرة لم تخطر على باله وهو المخضرمُ في مجاله وعلمه، أسهب الطفلُ في شرح فكرتُه واستمع لها هذا الأستاذ بإمعان وانتباهٌ شديدين.قال لها : أريد أن اريَكِ شيئاً قبل أن تضغطي على الزناد ، فقالت وهي مرعوبة : اخرج حالاً وإلا أرديتُكَ في الحال !! ، ذهبَ واتجه نحو مقصورة قيادة هذه السيارة وأدار محركها فقال : مارأيك الآن ؟ ، وفقت والذهولُ على محيّاها .! فشخص يدخلُ بيتُك ويقتحمُ مرآب سيارتكَ لكي يصلحها لك ؟قال الطفلُ : أنا هذه الدائرة ورسم دائرةٌ وكتب فيها اسمه ، ثم أستل منها ثلاثةُ خطوط وذيّل كل خطٍ بدائرةٍ أصغر ، وكل دائرة من هذا الدوائر الصغيرة تمتد إلى ثلاثُ دوائرٌ خاصة بها لكل واحدة على حدة ، وهكذا ليصل مجموع هذه الدوائر 27 دائرة .سَأَلتُهُ هذا السؤال لحظة ماخطر ببالها : من طلب منك أن تصلح هذه السيّارة ؟ ومن أذن لك أصلاً بالدخول من دون الإذن ؟ ، قال: وذكر اسم الطفل، قالت: هل تريدني أن اصدق أن ابني ذو العشر سنوات صديقه يكبره ب 20 سنة ؟ ، قال لا ولستُ بصديقه أصلا ً . حينها ازداد ذهولُ أم هذه الطفل فهي بين أمرين هل أرديهُ بتهمة اقتحام الأماكن المسكونة ؟ أم اشكره على صنيعه ؟ ، وما دخل ابني في الموضوع ؟ كما فكرت.كل دائرةٌ هي في الأصل منفعة تستفيدُ من مضيّفُها وتنشر هذه المنفعة إلى ثلاثُ دوائرُ أخرى، وبهذه الطريقة نتمكن من نفع تسع ربما سبعة وعشرين وربما أكثر كلها منافع. فالدائرة تُعبر عن شخصٍ ما ، استفاد منفعة ما من دائرة قبله ، وعليه قبل قبوله بهذه المنفعة أن يعِدُ بأن ينفع ثلاثة أشخاصٌ آخرين ، وهكذا تسيرُ هذه المنافع ، والمهم أنك لاتنفع فقط ، بل وتعطي فرصة أخرى .ابنك قد أعارني قيمة ملابسي واشترط علي منفعة غيري، ووجدتُها مناسبة أن تكون في سيارتُكِ، لذا إن لم تمانعي سوف استكملُ عملي عليها فقد تركتُ الإدمان هذا اليوم فقط بسبب ابنك.! قالت والسُكرُ وآثار النوم واضحة: اذهب بعيداً وإلا أرديتُك فعلاً بهذه البندقيّة أتريدُ أن أصدق مدمناً سيموتُ قريباً لهذه الترّهات ؟، ذهب وقد جرْ على نفسه أذيال هزيمةٍ قد بان محيَّاها على وجهه ، فلم يكن له بُدٌ من أن يذهب إلى غرفةِ صديقٍ صادقه لإدمانه ، فالجامع الوحيد بين من في هذه الصداقة هي الإدمان وإبر الشرايين .ضحك الفصلُ على فكرة هذا الطفل ، بل وقد أرسل تعليقاتٍ ساخرة ، ووقف هذا الأستاذ منذهلاً من ماقاله هذا الطفل ، وأشاد به ، ولكن صدمة المفاجأة أبت إلا أن تكون إشادته بسيطة وبالكاد تسد الرمق كبعض المجاملات المزيَّفة المملة .رجِعَ الطفل إلى بيته وصادف أمه حين وقت دخوله ، فقامت بتعنيفه على ماقام من فعل ، وأن هذه النقود هي أحوج لها . فأطرق الطفل بدمعة تجاهلتها أمُّه وهي خارجة من منزلها للذهاب لدوام الفترة الأولى ، فاستغل هو الآخر ذهابَ أمه في البحث عن صديقه المدمن . إلى أن وصل إلى غرفة صديقه ، بعد أن دخلَ فيها صديقهُ وهو يعاني من ألم حاجته للمادة وألم حاجته للنورُ الذي شعَْ عليه من ذلك الطفل بمساعدته إياه وألم حاجته للموت والخلاص ، يطرق الطفل الباب وينادي عليه باسمه ، ينادي ينادي وليس من مجيب ، ذهب الطفل وكلُ وجهه أسىً على خسرانه لهذه الدائرة ، فأخرج ورقة احتفض بها لنفسه حين بدأ يطبِّق هذا المشروع على أرض الواقع ، فقد كتب اسم صديقه المدمن ثم شطب عليه بالقلم x إذعاناً منه أنه قد خسرهُ ، لكنه لايعلم أن صديقه المدمن كان يسمعه ولكأن الدنيا ابتسمت من جديد له ولكنه لم يحالفه الحظ في مقابلته لهذا الطفل مرة أخرى .حقيقة أن القصة تطول وتطول ، وليس المغزى هنا سرد أمثالها فغيرها الكثير ، ولكن أبرز ماشدّني هو إيمان الطفل بأن هذه الدنيا وإن طال بك العمر ليست بالشيء الذي يستحق أن تكره أحداً بسببها ، فضلاً عن انك تتكبر عن مساعدته . كثيرٌ منا "وأنا أولهم" يعاني من هذه المشكلة في محيطه على الأقل إن لم يكن هو الشخص نفسه . فعلاً هل الدنيا تستحق أن تكره وأن تبغض " في ماعدا الله سبحانه وتعالى " الناس من حولك لمجرد خطأهم عليك ؟ هل فكرت يوماً حينما تكبر لن يكون لك قيمة لأنك بدون أصدقاء بسبب هذا الكره ؟ هل هناك شيئاً يستحق الحقد ؟ هل تريد أن تكون وحيداً في حياتك ؟ أنا لن أكونُ ملائكيّاً في رأيي فأنا أكره وأقرب ماحدث لي صباحُ هذا اليوم ، ولكن حينما جلستُ وفكرتْ ارتأيت أنه كرهي لم يكن له مُبرِّرَاً أبداً ، صحيحٌ أن العمل يستوجبُ مني الحزم في بعض الأمور ، ولكن ليس الكره أو الحقد !. أغبطُ صراحةً إخوتنا المصريون ، فتجدهم يتشاجرون كثيرا ولكأن ما ستقومُ القيامةُ بينهم وما تلبث إلا وتجدهم يتضاحكون متقهقهين بدتْ حناجرهم من مبالغة الضحك .بعد انتهائي من رؤيتي لهذا الفلم سرت في جسمي قشعريرة لم أدري مصدرها رَدَفَها نشاطٌ لم أعهد منذ أن باغتني المرض ، لدرجة أنني نسيتُ ماحدث هذا اليوم كلّه !، والأعجب أن الهُزال الذي كنت أعاني منه ذهب وولَّى مع الإبقاء على بعض الآثار التي ستزول بعد فترة قصيرة إن شاء الله .نسيتُ ماقد حدث هذا اليوم ، وقد اعتراني بعض النشاط المصحوبة ببعض الخواطر وما لبثت إلا وقد استلّيتُ "اللابتوب" وتعجبت لنسياني له مشغَّلاً في الحقيبة ولكأنه ينتظرني إنهاء هذا الفيلم وتسجيلُ ماخَلُُجَ في بالي من خاطرة . فكم هي الحياة قصيرة لدرجة أنه ليس هناك وقتٌ للكره .ذهب الكره الذي كنتُ أختزنه في صدري وتلاشى ولله الحمد، وذهبت معه ذكريات ذلك اليوم البائس، وانفرجت أساريري ولم أزل أعاني من سعالي المزعج.أ.ه. 2008-02-03 الساعة 9.42 صباحاً عَقِبَ اجتماعٍ هادئٍ نسبيَّاً ...

ليست هناك تعليقات: